مقالات مقال رأي بقلم: د. أحمد أبو علي

د. أحمد أبو علي يكتب : هل تنجح الدول بدون تنمية عمرانية؟.. ولماذا أصبحت العقارات جزءًا من معركة الاقتصاد المصري؟

خلال الأيام الماضية، عاد الجدل مجددًا حول مستقبل التنمية العمرانية في مصر، بعد تداول تقارير عن دراسة الحكومة إطلاق مشروع تنموي جديد على الساحل الشمالي، بالشراكة مع مستثمرين عرب وأجانب، في خطوة تعكس استمرار الدولة في توظيف أصولها العقارية لجذب الاستثمارات وتعظيم العائد الاقتصادي من الأراضي غير المستغلة. وكما جرت العادة، انقسمت الآراء بين من يرى أن الدولة تواصل الاعتماد على العقارات باعتبارها المحرك الرئيسي للنمو، وبين من يعتبر أن هذا التوجه يمثل أحد أهم أدوات التنمية في هذه المرحلة. لكن بعيدًا عن هذا الجدل، يظل السؤال الأكثر أهمية: هل نجحت أي دولة في العالم في تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية دون أن تواكبها طفرة عمرانية شاملة؟

الإجابة التي يقدمها التاريخ الاقتصادي تكاد تكون واحدة. فلا توجد تجربة تنموية ناجحة قامت بمعزل عن الاستثمار في البنية التحتية، أو إنشاء مدن جديدة، أو تطوير الموانئ والطرق وشبكات النقل والطاقة. فالمدن ليست مجرد مبانٍ وطرق، وإنما بيئة متكاملة تجذب الاستثمار، وتخفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتخلق فرصًا جديدة للنمو. ولهذا لم يكن غريبًا أن تجعل دول مثل الإمارات التنمية العمرانية أحد أعمدة تحولها الاقتصادي، وأن تخصص المملكة العربية السعودية مئات المليارات من الدولارات لمشروعات ومدن جديدة ضمن رؤية 2030، كما اعتمدت الصين على إنشاء مناطق اقتصادية ومدن صناعية حديثة كانت نقطة الانطلاق نحو أكبر طفرة إنتاجية شهدها العالم خلال العقود الأخيرة.

ومن هذا المنطلق، فإن اختزال التجربة المصرية في أنها مجرد “بيع أراضٍ” أو “الاعتماد على العقارات” لا يعكس الصورة الكاملة. فمصر تمتلك واحدة من أكبر المحافظ العقارية في المنطقة، سواء من حيث الأراضي أو السواحل أو المواقع الجغرافية ذات الميزة التنافسية، ومن الطبيعي أن تسعى الدولة إلى تحويل هذه الأصول إلى قيمة اقتصادية حقيقية من خلال جذب الاستثمارات، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة، وتعظيم العائد من أصول ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاستغلال الاقتصادي.

ولعل صفقة تطوير رأس الحكمة كانت المثال الأبرز على هذا التوجه، ليس فقط بسبب حجمها، ولكن لأنها عكست قدرة الدولة على تحويل أصل مملوك لها إلى استثمار أجنبي مباشر ضخم، دون اللجوء إلى زيادة الضرائب أو بيع أصول إنتاجية قائمة. كما أنها قدمت نموذجًا جديدًا للشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين، بما يسهم في تحريك قطاعات عديدة، مثل المقاولات، ومواد البناء، والخدمات، والسياحة، والنقل، ويخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

لكن في المقابل، سيكون من الخطأ أيضًا الاعتقاد بأن التنمية العمرانية وحدها قادرة على صناعة اقتصاد قوي. فالعقارات، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن الصناعة أو الزراعة أو التكنولوجيا أو الخدمات القابلة للتصدير. والاقتصادات الكبرى لم تحقق نجاحها لأنها بنت مدنًا فقط، وإنما لأنها نجحت في تحويل هذه المدن إلى مراكز للإنتاج، والابتكار، والخدمات اللوجستية، والبحث العلمي، والتصدير.

وهنا تحديدًا يكمن التحدي أمام النموذج المصري. فالقضية ليست في بناء مدينة جديدة أو إطلاق مشروع عمراني جديد، وإنما في طبيعة النشاط الاقتصادي الذي ستحتضنه هذه المدن. فكلما ارتبطت التنمية العمرانية بالمناطق الصناعية، والموانئ، والمراكز اللوجستية، والجامعات، ومجمعات التكنولوجيا، زادت قدرتها على تحقيق قيمة مضافة مستدامة، وتحولت من مجرد استثمار عقاري إلى استثمار اقتصادي متكامل.

كما أن من المهم إدراك أن المنافسة الاقتصادية بين الدول لم تعد تقوم فقط على امتلاك الموارد، وإنما على امتلاك بيئة قادرة على جذب المستثمرين. والمستثمر عندما يتخذ قرارًا بضخ أمواله، لا ينظر إلى قطعة الأرض فقط، وإنما ينظر إلى شبكة الطرق، وجودة المرافق، وسهولة التنقل، وتوافر الخدمات، وكفاءة البنية التحتية، وهي كلها عناصر استثمرت فيها الدولة المصرية بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، بهدف تحسين مناخ الاستثمار ورفع تنافسية الاقتصاد.

ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل نبني مدنًا جديدة أم لا؟ لأن الإجابة محسومة في كل التجارب الدولية الناجحة. وإنما يجب أن يكون: كيف نجعل هذه المدن أكثر قدرة على جذب الصناعة، والخدمات، والسياحة، والاستثمارات التكنولوجية، بما يضمن تحقيق عائد اقتصادي مستدام، ويعزز فرص التشغيل، ويرفع معدلات التصدير، ويزيد من قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التحديات العالمية.

وفي النهاية، لا يمكن اختزال التنمية في مشروع عقاري، كما لا يمكن اختزال الاقتصاد في مصنع أو مزرعة. فكل اقتصاد ناجح يقوم على تكامل الأدوات، وتنوع مصادر النمو، وحسن توظيف الموارد. والتنمية العمرانية، عندما تُدار ضمن رؤية اقتصادية متكاملة، لا تكون عبئًا على الاقتصاد، بل تصبح أحد أهم محركاته، وجسرًا يعبر به نحو مزيد من الاستثمار، والإنتاج، والتنمية المستدامة.