مقالات مقال رأي بقلم: د. محمد راشد

د. محمد راشد يكتب : صناعة التطوير العقاري لا تنهار بسبب الصدمات

لم تعد الصدمات الاقتصادية في عالم اليوم أحداثًا استثنائية يمكن التعامل معها باعتبارها أزمات عابرة، بل أصبحت جزءًا من طبيعة الدورة الاقتصادية العالمية، تفرض نفسها على الأسواق بوتيرة متسارعة، وتختبر في كل مرة قدرة الاقتصادات والقطاعات المختلفة على التكيف واستعادة التوازن.

ومن هنا، فإن معيار قوة أي اقتصاد لم يعد يقاس بمدى تجنبه للصدمات، وإنما بقدرته على احتواء آثارها ومنعها من التحول إلى واقع دائم يعيد تشكيل سلوك المستثمرين والمستهلكين ويغير قواعد عمل السوق.

هذه الرؤية تتجسد بوضوح في تصريحات كيفن وارش، التي أكد خلالها أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وقوع الصدمة نفسها، وإنما في فهم الديناميكيات الكامنة التي تسمح بانتشار آثارها واتساع نطاقها داخل الاقتصاد. فالمشكلة ليست في التضخم وحده، ولا في قرارات السياسة النقدية بحد ذاتها، وإنما في قدرة الصدمة على الانتقال من قطاع إلى آخر، ومن نشاط اقتصادي إلى آخر، حتى تتحول من حدث مؤقت إلى حالة ممتدة يصعب احتواؤها.

ورغم أن هذه الرؤية جاءت في سياق الحديث عن الاقتصاد الأمريكي، فإنها تقدم مفتاحًا مهمًا لفهم ما يمر به القطاع العقاري المصري في المرحلة الراهنة. فالسوق العقاري لم يكن بمنأى عن المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، بل كان من أكثر القطاعات تعرضًا لتداعياتها، سواء من خلال ارتفاع تكلفة مواد البناء، أو تغيرات أسعار الفائدة، أو تقلبات سعر الصرف، أو الضغوط التمويلية، أو تغير أنماط الطلب لدى العملاء والمستثمرين.

غير أن الخطأ الأكبر يتمثل في اختزال المشهد العقاري في هذه المتغيرات وحدها، باعتبارها سبب الأزمة أو نهايتها. فالصدمات الاقتصادية بطبيعتها مؤقتة، أما الأزمات الحقيقية فتبدأ عندما تفقد الأسواق قدرتها على امتصاص تلك الصدمات، وتسمح لها بالانتقال من حلقة إلى أخرى حتى تصبح جزءًا من بنيتها الداخلية. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين السوق الذي يواجه أزمة عابرة، والسوق الذي تتحول فيه الأزمة إلى نمط دائم من العمل.

فحين تؤدي الضغوط التمويلية إلى ارتفاع تكلفة التنفيذ، ثم تنعكس على أسعار البيع، ثم تؤثر في القوة الشرائية، ومنها إلى معدلات التسويق، ثم إلى التدفقات النقدية للمطورين، وأخيرًا إلى ثقة المستثمرين في السوق، فإننا لا نكون أمام مجموعة من المشكلات المنفصلة، وإنما أمام سلسلة مترابطة من الآثار المتبادلة التي تتسع تدريجيًا لتشمل المنظومة بأكملها. وهنا تصبح القضية ليست في الصدمة نفسها، بل في سرعة انتشارها، ومدى قدرة المنظومة على احتوائها قبل أن تتحول إلى واقع اقتصادي جديد.

ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح صناعة التطوير العقاري في مصر يجب ألا يقتصر على التعامل مع نتائج الأزمة، بل ينبغي أن يبدأ بإعادة النظر في بنية السوق ذاتها. فالصناعة التي تعتمد على نموذج تمويلي محدود تصبح أكثر هشاشة أمام تقلبات أسعار الفائدة، والشركات التي تبني خططها على توقع استمرار الرواج بنفس الوتيرة تكون أكثر تعرضًا للاهتزاز مع أول تغير في الظروف الاقتصادية، بينما تظل الأسواق الأكثر مرونة هي تلك التي تمتلك أدوات متنوعة لإدارة المخاطر، وقدرة حقيقية على إعادة توزيع آثار الصدمات بدلًا من تركها تتراكم داخل المنظومة.

ولعل المرحلة الحالية تفرض ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أكثر استدامة. فتنويع أدوات التمويل، وتطوير السوق الثانوية، وتعزيز الشفافية والإفصاح، وتوسيع دور الصناديق العقارية، وتحسين آليات التمويل العقاري، وإرساء قواعد أكثر كفاءة للحوكمة، لم تعد ملفات يمكن تأجيلها، بل أصبحت متطلبات أساسية لضمان استمرار القطاع في أداء دوره باعتباره أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني.

وفي الوقت ذاته، فإن العلاقة بين الدولة والمطورين تحتاج إلى التطور من مفهوم التنظيم والرقابة فقط، إلى مفهوم الشراكة في إدارة المخاطر. فكلما كانت السياسات الاقتصادية أكثر وضوحًا واستقرارًا، زادت قدرة الشركات على التخطيط طويل الأجل، وانخفضت تكلفة المخاطر التي يتحملها المستثمر والمطور والمستهلك في آن واحد. كما أن المطورين أنفسهم مطالبون بإعادة صياغة نماذج أعمالهم بما يتناسب مع مرحلة اقتصادية تختلف جذريًا عن المراحل السابقة، فلم يعد النجاح مرهونًا بسرعة البيع فقط، وإنما بكفاءة الإدارة، وجودة إدارة السيولة، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وتحقيق التوازن بين التوسع والاستدامة.

كما أن استعادة ثقة العميل ينبغي أن تكون في قلب عملية الإصلاح. فالمشتري اليوم لم يعد يبحث فقط عن وحدة عقارية أو نظام سداد ميسر، بل أصبح يبحث عن مطور يمتلك رؤية واضحة، وملاءة مالية، وسجلًا موثوقًا في الالتزام بالتنفيذ والتسليم. لقد تحولت الثقة إلى أصل اقتصادي لا يقل أهمية عن الأرض أو رأس المال، بل ربما أصبحت العنصر الأكثر تأثيرًا في قرارات الاستثمار داخل السوق العقاري.

ومن هنا، فإن مستقبل صناعة التطوير العقاري لن تحدده فقط معدلات المبيعات أو حجم المشروعات الجديدة، وإنما ستحدده قدرة المنظومة بأكملها على التعلم من الصدمات. فالتاريخ الاقتصادي يؤكد أن الأسواق التي تخرج أكثر قوة من الأزمات ليست تلك التي لم تتعرض لها، وإنما تلك التي استثمرت لحظات الضغط في مراجعة نماذجها، وتصحيح اختلالاتها، وإعادة بناء مؤسساتها على أسس أكثر مرونة وكفاءة.

وربما تكمن الرسالة الأهم في أن كل قرار اقتصادي، مهما بلغت أهميته، لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة من التفاعل وإعادة التقييم. فالسياسات النقدية والمالية تستطيع أن توفر بيئة داعمة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع سوقًا قويًا إذا لم تكن المنظومة نفسها قادرة على التكيف مع المتغيرات، وامتلاك الأدوات التي تحول دون انتقال الصدمات من أزمة مؤقتة إلى واقع دائم.

إن مستقبل السوق العقاري المصري لا يتوقف على اختفاء الصدمات، لأن ذلك أمر لا تملكه أي دولة أو اقتصاد، وإنما يتوقف على قدرتنا على بناء منظومة ترى في كل أزمة فرصة للمراجعة والتطوير، لا مبررًا للتوقف أو الاكتفاء بردود الفعل. فالصناعات الكبرى لا تُقاس بقدرتها على تجنب العواصف، وإنما بقدرتها على الإبحار خلالها بأقل الخسائر، ثم الوصول إلى شاطئ أكثر قوة واستدامة.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي أمام صناعة التطوير العقاري في مصر ليس مواجهة الصدمات في حد ذاتها، وإنما منعها من إعادة تعريف السوق وقواعده. فالأسواق لا تنهار بسبب الصدمات، بل عندما تفقد قدرتها على التمييز بين الصدمة العابرة والواقع الجديد، فتتعامل مع المؤقت باعتباره دائمًا، وتكتفي بإدارة الأزمة بدلًا من إصلاح المنظومة. وعندما يحدث ذلك، لا تصبح المشكلة في حجم التحديات، بل في غياب الرؤية التي تحول كل أزمة إلى نقطة انطلاق نحو سوق أكثر نضجًا، واقتصاد أكثر قدرة على النمو والاستدامة.