مقالات مقال رأي بقلم: سامح طلعت

حين يتحول نصر أكتوبر من ذكرى إلى منهج حياة

منذ سنوات وأنا أبحث في حكايات أبطال مصر الذين خاضوا الحروب، وأحاول أن أخرج من بين صفحات التاريخ أسماءً ربما لم يعرفها الكثيرون، لكنهم صنعوا مع غيرهم لحظات فارقة في تاريخ الوطن.

وخلال هذا البحث، أدركت أن أعظم ما تركته لنا حرب أكتوبر ليس فقط ذكرى العبور والنصر، وإنما دروس إنسانية تصلح لكل زمان.

في خنادق أكتوبر، لم يكن الجندي المصري يعرف ماذا ينتظره في الساعات التالية، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أن عليه أن يؤدي واجبه.
وهنا تبدأ الحكاية. فالحياة أيضًا تضع كل إنسان في خندق.

هناك من يقف في خندق مواجهة الفشل، وآخر في خندق المسؤولية، وثالث يحارب من أجل أسرته ومستقبل أبنائه، ورابع يحاول أن يبدأ من جديد بعد سنوات من الألم والأخطاء.

ومن خلال قراءتي لتاريخ أكتوبر، تعلمت أن الظروف الصعبة لا تهزم الإنسان، وإنما الاستسلام لها هو الهزيمة الحقيقية.

لم يصنع المصريون نصر أكتوبر في يوم واحد. سبقت العبور سنوات من إعادة البناء والتدريب والتخطيط والصبر.

وهذا بالضبط ما نفتقده أحيانًا في حياتنا؛ نريد النتيجة بسرعة، وننسى أن أعظم الانتصارات تحتاج إلى وقت وتعب وتضحيات.

كما أن أكتوبر لم يكن بطولة فرد واحد، وخلف كل جندي عبر القناة كان هناك آلاف الرجال يؤدون أدوارًا ربما لم تذكرها كتب كثيرة، لكنها كانت ضرورية لصناعة النصر.

وهذا درس أؤمن بأهميته بشدة: ليس المهم أن يعرف الناس اسمك، بل أن يعرف ضميرك أنك أديت دورك.

لقد أمضيت سنوات أبحث عن أبطال ربما لم يحصلوا على الشهرة التي يستحقونها، وكلما عرفت قصة جديدة منهم ازداد يقيني بأن التاريخ الحقيقي لا تصنعه الأسماء المشهورة وحدها، وإنما تصنعه أيضًا وجوه مجهولة أدت واجبها ثم عادت إلى الظل.

واليوم، ونحن نعيش خنادق مختلفة، لا نحتاج إلى حمل السلاح حتى نكون مقاتلين.

قد يكون سلاحنا هو العلم، والعمل، والصبر، والالتزام، والقدرة على النهوض بعد السقوط.

وقد يكون خندقنا هو بيت نحاول الحفاظ عليه، أو أبناء نحاول بناء مستقبلهم، أو عمل نحاول النجاح فيه، أو حلم نرفض أن ندفنه رغم كل الصعوبات.

ولهذا أرى أن الاحتفال بأكتوبر لا يجب أن يكون مجرد استعادة لذكريات الماضي، وإنما فرصة لنسأل أنفسنا:

ماذا تعلمنا من الذين عبروا؟ وماذا سنفعل نحن في خنادقنا؟

لقد عبر أبطال أكتوبر من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية، لكن العبور الحقيقي الذي يجب أن نستمر فيه هو العبور من اليأس إلى الأمل، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن الخطأ إلى الإصلاح، ومن الكلام إلى العمل.

فأكتوبر لم يكن مجرد انتصار عسكري انتهت معركته في عام 1973؛ بل كان درسًا في الإرادة المصرية.

ومن خنادق الحرب إلى خنادق الحياة، تبقى الرسالة واحدة:

لا تستسلم لخندق وُضعت فيه… اجعل منه نقطة انطلاق لعبور جديد.

فكما صنع أبطال أكتوبر عبورهم، يستطيع كل إنسان أن يصنع عبوره.

ومن خنادق الحرب بدأ نصر الوطن… ومن خنادق الحياة يبدأ انتصار الإنسان.

كاتب المقال / سامح طلعت مؤرخ عسكري