سيارات

من 128 وشاهين إلى السيارات الكهربائية.. كيف تعيد «النصر للسيارات» بناء صناعتها بعد 15 عامًا؟

تستهدف شركة النصر للسيارات الانتقال تدريجيًا من تجميع السيارات إلى التصنيع ونقل التكنولوجيا إلى مصر، عبر تحديث خطوط الإنتاج.

وزيادة الاعتماد على المكونات المحلية، وإنشاء مركز للبحث والتطوير.

وصولًا إلى إنتاج سيارة تحمل علامة النصر مجددًا، في تحول يعيد الشركة الحكومية إلى سباق صناعة السيارات بعد غياب تجاوز 15 عامًا.

ويأتي التحرك الجديد بالتزامن مع تدشين إنتاج سيارة كهربائية مجمعة محليًا داخل مصانع «النصر».

لتبدأ الشركة مرحلة مختلفة عن تلك التي ارتبطت تاريخيًا بطرازات شهيرة مثل «128» و«شاهين».

في وقت تتحول فيه صناعة السيارات عالميًا نحو المركبات الكهربائية والبطاريات والمحركات والإلكترونيات المتقدمة.

وقال نبيل حماد، الرئيس التنفيذي لشركة النصر للسيارات، إن طموح الشركة لا يقتصر على تجميع سيارات تحمل علامات تجارية مختلفة.

وإنما يستهدف الوصول تدريجيًا إلى مرحلة أعمق من التصنيع.

ونقل الخبرات والتكنولوجيا إلى مصر، وتطوير قاعدة صناعية محلية قادرة على الاستمرار.

كما أكد أن الشركة تخطط أيضًا لإنتاج سيارة تحمل علامة النصر إلى جانب إنشاء مركز للبحث والتطوير «R&D Center» بالتعاون مع الجهات المعنية بالصناعة.

بما يسمح ببناء قدرات مصرية في تطوير السيارات والتكنولوجيا المرتبطة بها بدلًا من الاكتفاء بالحصول على التكنولوجيا جاهزة من الخارج.

ماذا كانت تصنع «النصر للسيارات»؟

تأسست شركة النصر لصناعة السيارات عام 1959، لتصبح واحدة من أقدم وأهم القواعد الصناعية المتخصصة في السيارات في مصر.

وأقيمت مصانعها بمنطقة وادي حوف بحلوان على مساحة تقترب من 900 ألف متر مربع، وتضم 9 مصانع.

وعلى مدار عقود، عملت «النصر» من خلال اتفاقات وتراخيص تصنيع مع شركات عالمية.

وأنتجت سيارات ركوب إلى جانب الأتوبيسات والشاحنات، وارتبط اسمها في السوق المصرية بعدد من الطرازات التي حققت انتشار واسع.

من بينها سيارات «نصر 128» و«شاهين» وعدد من طرازات فيات.

ولم يكن نشاط الشركة قائمًا على استيراد سيارات كاملة وبيعها.

وإنما كانت هناك عمليات تصنيع وتجميع داخل مصانعها، مع إنتاج جزء من المكونات محليًا واستيراد أجزاء ومكونات أخرى أكثر تعقيدًا من الخارج.

وبحسب بيانات أعلنتها إدارة الشركة عند عودتها للإنتاج في 2024، صنعت وباعت «النصر» نحو 500 ألف سيارة منذ بدء نشاطها وحتى توقفها.

لكن النموذج الصناعي في ذلك الوقت ظل مرتبطًا بدرجات متفاوتة بموردين وتكنولوجيات أجنبية.

وهي نقطة تعود اليوم إلى قلب استراتيجية الشركة الجديدة مع اتجاهها نحو زيادة التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا.

15 عامًا خارج سوق السيارات

حيث توقفت شركة النصر عن الإنتاج في نهاية العقد الأول من الألفيةز

قبل صدور قرار تصفيتها في 2009، لتغيب عمليًا عن سوق إنتاج السيارات لأكثر من 15 عامًا.

وجرت عدة محاولات خلال السنوات التالية لإعادة الشركة إلى النشاط، من بينها محاولة في 2017 لجذب شريك لتطوير الشركة وتصنيع وتجميع سيارات الركوب وإقامة صناعات مغذية.

إلا أن العروض المقدمة آنذاك لم تصل إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

ويربط نبيل حماد أحد أسباب توقف الشركة تاريخيًا بتوقف توريد مكونات كانت تعتمد عليها خطوط الإنتاج.

وهو ما يعكس إحدى نقاط الضعف التي واجهتها صناعة السيارات المصرية لفترات طويلة نتيجة الاعتماد على استيراد أجزاء رئيسية من الخارج.

وعادت النصر للسيارات رسميًا إلى الإنتاج في نوفمبر 2024، بعد توقف استمر أكثر من 15 عامًا، مع إعادة تشغيل مصنع الأتوبيسات.

وبدء خطة أوسع لإدخال مصانع الشركة مرة أخرى في دورة الإنتاج.

وبدأت العودة بأتوبيسات نصر سكاي، قبل التوسع في مشروعات أخرى تشمل الميني باص وسيارات الركوب والمركبات الكهربائية، إلى جانب خطط مرتبطة بالبطاريات والصناعات المغذية.

من إعادة التشغيل إلى توطين صناعة السيارات

المرحلة التي تدخلها النصر حاليًا تختلف عن مجرد إعادة مصنع قديم إلى العمل.

إذ تتحرك الشركة في سوق عالمي تغيرت فيه مكونات السيارة نفسها، وأصبحت البطاريات والمحركات الكهربائية والإلكترونيات والبرمجيات عناصر رئيسية في القيمة المضافة.

ولهذا تركز خطط الشركة الجديدة على زيادة نسبة المكون المحلي تدريجيًا، مع محاولة نقل أجزاء أكثر تقدمًا من التكنولوجيا إلى مصر.

كما أكد نبيل حماد أن صناعة السيارات في مصر ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المكونات.

بينما تتركز نسبة مهمة من المكونات المصنعة محليًا في أجزاء أقل تقدمًا من الناحية التكنولوجية.

ومن هنا يأتي مشروع إنشاء مركز للبحث والتطوير باعتباره محاولة للانتقال من توطين عملية التجميع إلى توطين المعرفة نفسها.

بما يسمح مستقبلًا بتطوير مكونات وتصميمات وحلول هندسية داخل مصر.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بالنسبة لشركة حكومية مثل «النصر»، التي يرى حماد أن دورها يجب ألا يقتصر على العمل كمصنع لتجميع سيارات بعلامات أجنبية.

بل أن تتحول إلى قاعدة لنقل التكنولوجيا والخبرات إلى الصناعة المصرية.

900 مليون جنيه لإعادة النصر إلى العمل

وتزامنت العودة الصناعية للشركة مع استثمارات لإعادة تأهيل الأصول وخطوط الإنتاج.

وقال الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، إن الدولة أنفقت نحو 900 مليون جنيه لإعادة شركة النصر للسيارات إلى العمل مرة أخرى.

في إطار توجه يستهدف توطين صناعة السيارات وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي.

وتحولت الشركة بعد العودة من الخسائر إلى تحقيق صافي ربح بلغ نحو 35 مليون جنيه خلال العام المالي 2024-2025.

وفق بيانات رسمية، في أول مؤشر مالي على قدرة عمليات التشغيل الجديدة على إعادة الشركة تدريجيًا إلى النشاط الاقتصادي.

وفي مصنع الأتوبيسات، ارتفعت نسب المكون المحلي؛ إذ وصلت إلى 63.5% في أتوبيسات «نصر سكاي».

وتجاوزت 70% في الميني باص «نصر ستار».

وتمثل هذه النسب مؤشرًا على اتجاه «النصر» إلى تعميق التصنيع، لكن التحدي الأكبر يبقى في نوعية المكونات المنتجة محليًا ومدى قدرتها على الانتقال من الأجزاء التقليدية إلى المكونات الأعلى قيمة

وتكنولوجيا.

السيارات الكهربائية تغير قواعد الصناعة

دخول النصر للسيارات إلى مجال السيارات الكهربائية يأتي بالتزامن مع تحول واسع تشهده الصناعة عالميًا.

وهو ما يدفع الحكومة إلى محاولة بناء قدرات محلية في قطاعات جديدة، أبرزها البطاريات والمحركات الكهربائية والإلكترونيات.

وأكد المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، أن تدشين إنتاج السيارة الكهربائية داخل مصانع النصر يأتي ضمن توجه الدولة لتعميق التصنيع المحلي وتوطين التكنولوجيا الحديثة.

وليس فقط إضافة طراز جديد إلى سوق السيارات.

كما أوضح أن الوزارة تعمل على تطوير البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات «AIDP».

وتعزيز الحوافز المرتبطة بزيادة القيمة المضافة المحلية، وحجم الإنتاج والاستثمارات، والالتزام بالمعايير البيئية.

كما تستهدف الحكومة من خلال البرنامج تشجيع الشركات العالمية على زيادة الاعتماد على الموردين المحليين.

ونقل التكنولوجيا، وتوطين تصنيع المكونات ومستلزمات الإنتاج.

كما تركز الخطط الصناعية على الاستفادة من التحول نحو السيارات الكهربائية للدخول في مجالات تصنيع البطاريات والمحركات الكهربائية والمكونات الإلكترونية.

وهي قطاعات يمكن أن ترفع القيمة المضافة للصناعة بصورة أكبر من الاكتفاء بتجميع الأجزاء المستوردة.

هل تعود علامة النصر بسيارة مصرية جديدة؟

الخطوة التالية التي تستهدفها إدارة الشركة تتجاوز السيارات التي يتم إنتاجها حاليًا بالتعاون مع شركاء دوليين.

وقال نبيل حماد إن النصر للسيارات تطمح إلى امتلاك علامة تجارية خاصة بها وإنتاج سيارة تحمل شعار النصر مرة أخرى.

حيث أوضح أن الهدف لا يتمثل في إعادة الاسم إلى السوق فقط، وإنما استخدام المشروع كوسيلة لنقل التكنولوجيا وبناء قدرات تصنيع محلية.

وطالب وزارة الصناعة بدعم المشروع باعتباره متوافقًا مع استراتيجية الدولة لتوطين صناعة السيارات.

ويعني ذلك أن نجاح مشروع السيارة التي تحمل علامة النصر لن يقاس فقط بظهور شعار الشركة على مقدمة السيارة.

وإنما بنسبة التكنولوجيا والمكونات التي يتم تطويرها وتصنيعها داخل مصر.

من 128 وشاهين إلى عصر البطاريات

الفارق بين النصر للسيارات التي عرفها السوق المصري قبل عقود والشركة التي تحاول العودة اليوم لا يتعلق فقط بتغير موديلات السيارات.

ففي عصر «128» و«شاهين»، كانت المنافسة تعتمد بدرجة كبيرة على المحركات الميكانيكية وخطوط التجميع ونسب المكون المحلي التقليدي.

بينما تتحول المنافسة اليوم إلى البطاريات والإلكترونيات والبرمجيات وسرعات الشحن وكفاءة الطاقة.

وأشار محمود عصمت إلى أن تطور تقنيات شحن السيارات الكهربائية أصبح أحد العناصر الرئيسية في انتشارها.

كما لفت إلي أن أنظمة الشحن بجهد 800 فولت تساعد على تقليل الفاقد والحرارة وزيادة قدرة الشحن وتقليل الوقت الذي تحتاجه البطارية.

وهو تحول يضع النصر للسيارات أمام سوق مختلف تمامًا عن السوق الذي غادرته قبل أكثر من 15 عامًا.

فالشركة التي عرفت لعقود بإنتاج سيارات تقليدية أصبحت مطالبة اليوم بالتعامل مع تكنولوجيا البطاريات والمحركات الكهربائية والإلكترونيات.

بالتوازي مع إعادة بناء شبكة موردين محليين ورفع القدرات الهندسية والفنية.

ومن هنا لا تبدو عودة النصر مجرد عودة اسم قديم إلى سوق السيارات، وإنما محاولة لإعادة صياغة دور الشركة داخل الصناعة المصرية.

فبعد أكثر من 15 عامًا خارج خطوط الإنتاج، أصبح الاختبار الحقيقي أمام النصر للسيارات هو قدرتها على التحول من مصنع يعتمد على التكنولوجيا القادمة من الخارج إلى قاعدة صناعية تستطيع استيعابها

وتطويرها وزيادة الجزء المصنع منها داخل مصر.

وإذا نجحت الشركة في الجمع بين زيادة المكون المحلي وإنشاء مركز حقيقي للبحث والتطوير وإنتاج سيارة تحمل علامتها ونقل التكنولوجيا إلى الموردين المحليين،

ستكون عودتها مختلفة جذريًا عن مجرد إعادة تشغيل خطوط توقفت قبل أكثر من عقد ونصف.

مواضيع متعلقة