د. محمد راشد يكتب : إدارة التدفقات النقدية الحرجة.. حين يصبح التوقيت هو الفارق الحقيقي في السوق العقاري
لم يعد المشهد العقاري في مصر قابلًا للتفسير عبر المعادلات التقليدية التي تربط الأداء بقوة الطلب أو حجم المبيعات المعلنة، فالسوق – رغم ما يمر به من ضغوط – لا يعاني من أزمة رغبة في التملك بقدر ما يواجه اختبارًا أكثر عمقًا يتعلق بقدرة الفاعلين داخله على إدارة التدفقات النقدية في لحظاتها الحرِجة. نحن أمام مرحلة يتحول فيها التوقيت من عنصر ثانوي إلى أصل اقتصادي لا يقل أهمية عن الأرض أو رأس المال.
القيمة العقارية، بمفهومها الحقيقي، لا تتجسد لحظة البيع ولا تُقاس فقط بأرقام التعاقدات، بل تُختبر في قدرة التدفقات النقدية على مواكبة التزامات التنفيذ والتمويل في أوقاتها الصحيحة. أي فجوة زمنية – مهما بدت محدودة – بين الداخل والخارج النقدي، قادرة على تحويل مشروع واعد إلى كيان مثقل بالضغوط، ليس بسبب ضعف الأصل، بل بسبب سوء إدارة الإيقاع الزمني للنقد.
خلال السنوات الماضية، اعتاد السوق على الاحتفاء بنمو المبيعات والتوسع السريع باعتبارهما مؤشرًا للصحة، إلا أن الواقع كشف أن التوسع غير المنضبط قد يخفي خلفه هشاشة مالية كامنة. فالمشكلة لم تعد في حجم ما يُباع، بل في متى يُحصّل، وكيف يُعاد توظيف هذا النقد في دورة تنفيذ متوازنة. هنا تحديدًا يظهر مفهوم “التدفقات النقدية الحرِجة” كأحد أهم مفاتيح فهم ما يحدث في السوق حاليًا.
السوق العقاري اليوم يفرز بوضوح بين نماذج مختلفة من الكيانات؛ شركات تمتلك محافظ أصول قوية لكنها تعاني من اختناقات سيولة، وأخرى تتحرك بوتيرة أهدأ، أقل صخبًا، لكنها أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، لأنها أدركت مبكرًا أن السيطرة على توقيت النقد تفوق في أهميتها تعظيم القيمة الدفترية أو تضخيم أرقام المبيعات. التجربة العملية أثبتت أن القيمة التي لا تتحول إلى سيولة في التوقيت الصحيح، قد تصبح عبئًا بدلًا من كونها ميزة تنافسية.
إدارة التدفقات النقدية لم تعد شأنًا ماليًا داخليًا، بل تحولت إلى قضية سوقية تمس الاستقرار العام للقطاع. فاختلال التوازن النقدي لا ينعكس فقط على المطور الفردي، بل يمتد أثره إلى تعطل الجداول الزمنية للمشروعات، وارتفاع معدلات التعثر، وتآكل ثقة العملاء، وهو ما يضع السوق بأكمله أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بالسمعة والاستدامة، لا بالأرباح قصيرة الأجل.
من هنا، تفرض المرحلة الراهنة إعادة نظر شاملة في فلسفة النمو العقاري، والانتقال من منطق “الانتشار السريع” إلى منطق “النمو المنضبط”، القائم على قراءة دقيقة لدورات التحصيل والإنفاق، وربط القرارات الاستثمارية بإيقاع نقدي واقعي، يأخذ في الاعتبار تقلبات السوق، وتغير سلوك العملاء، وارتفاع تكلفة التمويل. فالمرونة المالية أصبحت خط الدفاع الأول في مواجهة عدم اليقين.
المفارقة أن السوق لا يعاقب اليوم من يبطئ خطواته، بقدر ما يعاقب من يخطئ توقيت قراراته. المرحلة المقبلة ستكافئ المطورين القادرين على اتخاذ قرارات صعبة في لحظات صحيحة، حتى لو بدت غير شعبية أو مناقضة لحالة الزخم الظاهري. النجاح في السوق العقاري لم يعد مرهونًا فقط بما تملكه من أصول أو بما تعلنه من مبيعات، بل بمدى قدرتك على إدارة النقد في لحظاته الحرِجة، قبل أن تتحول القيمة من فرصة إلى عبء.
في هذا السياق، يمكن القول إن السوق العقاري المصري لا يمر بأزمة تقليدية، بل بمرحلة نضج قاسية تعيد ترتيب الأولويات، وتفرض معايير جديدة للنجاح، يكون فيها التوقيت هو الحكم، والسيولة هي اللغة، والانضباط المالي هو الضمان الحقيقي للاستمرار

