د. أحمد أبو علي يكتب: العيش بالتقسيط.. كيف تصنع شركات التمويل الاستهلاكي أزمة اجتماعية مؤجلة؟
شهدت السوق المصرية خلال السنوات الأخيرة توسعًا لافتًا في نشاط شركات التمويل الاستهلاكي، في سياق بدا ظاهريًا متسقًا مع أهداف الشمول المالي وتيسير الوصول إلى السلع والخدمات، غير أن هذا التوسع السريع، إذا ما تم تفكيكه اقتصاديًا واجتماعيًا، يكشف عن تحوّل خطير في وظيفة الائتمان داخل المجتمع، حيث انتقل من كونه أداة لتحسين جودة المعيشة ودعم الاستقرار الأسري، إلى آلية لتمويل أنماط استهلاكية غير ضرورية، تُراكم ديونًا تفوق القدرة الحقيقية على السداد، وتؤسس لمخاطر اجتماعية واقتصادية مؤجلة.
فالتمويل الاستهلاكي، في جوهره، ليس مشكلة بحد ذاته، بل يصبح كذلك حين يُستخدم لسد فجوة مزمنة بين الدخل الحقيقي ومتطلبات الإنفاق، دون أن يقابله نمو موازٍ في الإنتاج أو الادخار. وخلال الفترة الأخيرة، تزامن الانتشار السريع لهذا النوع من التمويل مع تراجع القوة الشرائية للدخول، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة الضغوط المعيشية، ما دفع شرائح واسعة من المواطنين إلى اللجوء للاقتراض ليس لتجاوز ظرف استثنائي، بل للحفاظ على نمط حياة أو مظهر اجتماعي لم تعد مواردهم تسمح به.
وتشير بيانات السوق إلى أن معدلات النمو السنوي للتمويل الاستهلاكي في مصر تراوحت في بعض الفترات بين 25% و30%، وهي وتيرة تفوق بكثير معدلات نمو الدخول الحقيقية، ما يعكس خللًا هيكليًا في العلاقة بين الكسب والإنفاق. هذا الخلل لم يُعالَج عبر زيادة الإنتاجية أو خلق فرص دخل إضافية، بل جرى تعويضه بالديْن، وهو المسار الأكثر خطورة اقتصاديًا على المدى المتوسط.
الأبعاد الاجتماعية لهذه الظاهرة لا تقل خطورة عن أبعادها المالية، إذ تزامن التوسع الائتماني مع تصاعد ثقافة استهلاكية مشوّهة، غذّتها وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل تسويقية مكثفة، تروّج لفكرة “الاستحقاق الفوري” و”العيش الآن والدفع لاحقًا”، في مجتمع يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية حقيقية. ومع الوقت، تحوّل الاستهلاك لدى شريحة واسعة من المواطنين من إشباع حاجة فعلية إلى أداة لإثبات المكانة الاجتماعية أو مجاراة المحيط، حتى وإن كان الثمن هو التزامات مالية تتجاوز القدرة الواقعية على السداد.
اقتصاديًا، تكمن المعضلة الأساسية في أن جزءًا كبيرًا من هذا التمويل يُوجَّه لسلع كمالية أو شبه كمالية لا تولّد قيمة مضافة، ولا تخلق دخلًا مستقبليًا، بل تضخ طلبًا استهلاكيًا قصير الأجل سرعان ما يتلاشى، بينما تبقى الأقساط والالتزامات قائمة. وتشير دراسات اقتصادية إلى أن تجاوز نسبة الالتزامات الاستهلاكية 30% إلى 35% من الدخل المتاح يرفع بشكل حاد احتمالات التعثر، ويزيد هشاشة الأسر أمام أي صدمة دخل مفاجئة، وهو ما بدأت بعض مؤشراته تظهر بالفعل داخل السوق.
ومع اتساع قاعدة العملاء، بدأت تتزايد حالات التعثر، لا سيما في تمويل السلع غير الضرورية، حيث تتراجع أولوية السداد مع أول ضغط مالي، سواء كان فقدان وظيفة، أو تراجع دخل، أو ارتفاع مفاجئ في تكاليف المعيشة. وهنا لا تعود المشكلة فردية، بل تتحول إلى ظاهرة لها آثار ممتدة على الاستقرار الأسري، والطلب الاستهلاكي المستقبلي، والثقة في أدوات التمويل نفسها.
ولا يمكن إغفال دور بعض نماذج الأعمال التي اعتمدت على التوسع السريع والتسويق المكثف، مع تخفيف معايير التقييم الائتماني، سعيًا لتحقيق ربحية قصيرة الأجل، غير أن اختزال المشكلة في سلوك الشركات وحده يبقى قاصرًا. فغياب التثقيف المالي، وضعف الضوابط المنظمة لطبيعة السلع الممولة، وغياب الربط بين التمويل والاستخدام الرشيد، كلها عوامل أسهمت في تحويل التمويل الاستهلاكي من أداة دعم إلى مصدر ضغط اجتماعي واقتصادي.
أما على مستوى الاقتصاد الكلي، فإن استمرار هذا المسار يحمل مخاطر صامتة، تبدأ بتآكل الطبقة الوسطى تحت وطأة الديون، وتمرّ بتراجع القدرة الاستهلاكية المستقبلية، ولا تنتهي عند زيادة هشاشة النظام المالي. فكل جنيه يُضخ في تمويل استهلاك غير منتج، هو جنيه لا يذهب إلى استثمار، أو ادخار، أو تطوير مهارات، وهو ما يضعف أسس النمو المستدام، ويؤجل المشكلات بدلًا من حلها.
من هنا، يصبح التدخل ضرورة، لا من باب التضييق أو المنع، بل عبر إعادة توجيه المسار. ويشمل ذلك تشديد معايير التقييم الائتماني، وتنظيم الرسائل الإعلانية، وربط التمويل بطبيعة السلع وأهميتها، إلى جانب إطلاق برامج حقيقية للتثقيف المالي، وتوسيع نطاق التمويل الإنتاجي والمشروعات الصغيرة، بما يخلق دخلًا حقيقيًا وقدرة فعلية على السداد.
في النهاية، يظل التمويل أداة محايدة، لكن طريقة استخدامه هي التي تحدد ما إذا كان رافعة للاستقرار والتنمية، أم قنبلة ديون اجتماعية موقوتة. والرهان الحقيقي اليوم ليس على توسيع الائتمان بلا حدود، بل على ترشيده بما يخدم المجتمع ويحمي الاقتصاد من مخاطر صامتة قد لا تظهر آثارها كاملة إلا بعد فوات الأوان.
كاتب المقال الدكتور أحمد أبو علي – الباحث والمحلل الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع

