مقالات مقال رأي بقلم: الكاتب والمفكر مصطفى عبيد

مصطفى عبيد يكتب: زمن سعاد حسني

رواية زمن سعاد للمبدع والكاتب الدكتور خالد منتصر، مثلت مفاجأة ثقيلة ولافتة لي،

أولا لأنها أول نص روائي للكاتب المعروف بمقالاته القوية الرصينة المنحازة إلى المدنية والحداثة والعلم، في مواجهة الأصولية والتشدد الديني. وثانيها لأنها حملت عنوانا يبدو بسيطا هو ” زمن سعاد” الذي يُحيل على ما قد شهدته أسطورة سعاد حسني من تقلبات وتحولات.

وثالثها لأن التصور الأسهل عن الكاتب خالد منتصر أنه كاتب رصين وواضح وقوي ومباشر في مقالاته، وهو ما قد يُشير إلى تعثره روائيا صانعا للخيال، وممنطقا للأحداث، وحياديا أمام شخوصه متنوعي المآرب والدوافع.

وفي الحقيقة، فإن خالد منتصر خالف التوقعات السهلة التي تبادرت للذهن ظلما، ففاجأنا بنص قوي، سرد مشوق ومبهر، وبناء متماسك، وشخصيات واقعية نراها ونعايشها كل يوم حولنا، والخطير أنه لعب بفكرة “زمن سعاد” فأظهره باعتباره أفول للفن والجمال وتردي للحداثة والمدنية والعلم. إنه الزمن ذاته الذي قاد سعاد إلى السقوط من علٍ، الانتحار كما يتصور المؤلف، مُعتبرا الاكتئاب يقود كثيرين نحو هذه الهاوية، وبالمثل يقود مجتمعات عديدة إلى الهلاك.

النص يعتمد على أربعة أصوات مختلفة تمثل أسرة واحدة عاشت الحلم الناصري، والزمن الساداتي والعصر المباركي، أب فنان رسام وسطي ومثقف يُدعى فارس الأشموني، وزوجته ورفيقة عمره سُعاد الضويني، والتي ترتبط بصداقة ومحبة سعاد حسني شخصيا، لأنها كانت راقصة شعبية سابقا، ثُم ابنها طارق الذي يشب متشددا مع فورة المد الأصولي ليتمرد على كل ما حوله، ثُم شقيقته التوأم سلمى التي تؤمن بالآخر وتحب الحياة وتعيش قصة حب خالدة مع زميلها أيمن، الذي ولد ليجد نفسه بهائيا. يبدو الصراع واضحا بين نموذج سلمى وشقيقها أيمن، الذي يهيمن على الأسرة وعلى والديه مجبرا إياهم بشطب الماضي، وانكار الفن ” الحرام” قبل أن يندفع مع المجتمع كله في موجة الأسلمة الظاهرية ويتسع نفوذه عقب عمله في البزنس وارتباطه بجماعات إسلامية مؤثرة. يتحدث كل صوت يحيادية، معبرا عن ذاته، وثقافته،ورؤاه، ويلوح الأذى واضحا في العصف بحريات البشر، ورفض الآخر المتصاعد في المجتمع، وهو ما يدفع سلمى وزوجها البهائي إلى الهجرة إلى هولندا للعيش بحرية ورضا. وعلى ضوء أحداث متشابكة وصراعات كبرى يبدو وكأن المُجتمع يسير نحو مصيرين إما الهروب، والنفي الإختياري، أو الانتحار كما فعلت سعاد حسني ومارلين مونرو.

يُعبر الكاتب خلال سرده عن كنز معرفي لافت يضم أفكار فلسفية وسير فنانين عالميين وتجارب علمية وطبية، وتصورات حياة وفكر سياسي وديني.

يبدو أفضل مقاطع النص، هو ذلك الحوار المتخيل لسعاد الأشموني مع كلا من سعاد حسني ومارلين مونرو بشأن نهايتهما. فالكتابة هنا ساحرة وواصلة ومؤثرة بامتياز.

تتلوى اللغة كراقصة ساحرة ترسم بسحرها آفاقا جميلة لابداع حقيقي فتي، وأقف مبهورا بعبارات جميلة مثل :

” كل الأشياء تكبر بمرور الزمن، إلا الحزن يصغر ويضمر إلى أن يتلاشى”.

” بدأت الماكينة تدور، ووساقية الأرباح تروى من الترعة نفسها، وتصب فيها، وثور الساقية مغمى العينين”.

” اللعنة على مَن يجهض حبا في سبيل شعبية أو جماهيرية”.

بدون مجاملات وبإخلاص أرشح العمل للقراءة والقراءة.