د. احمد أبو علي يكتب: الألعاب الإلكترونية بين اقتصاد الفرص ونزيف العملة الصعبة.. قراءة في التأثيرات الاقتصادية على مصر
لم تعد صناعة الألعاب الإلكترونية مجرد نشاط ترفيهي أو وسيلة لقضاء أوقات الفراغ، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أعمدة الاقتصاد الرقمي العالمي، وإلى صناعة عابرة للحدود ذات تأثير مباشر على مؤشرات الاقتصاد الكلي، وأنماط الاستهلاك، وتدفقات العملات، وسلوك الأفراد والأسر. هذه الصناعة، بما تحمله من فرص وتحديات، تفرض نفسها اليوم كملف اقتصادي يستحق قراءة متأنية ومسؤولة، بعيدًا عن التهوين أو التهويل.
وفق أحدث البيانات والإحصاءات العالمية، بلغت إيرادات سوق الألعاب الإلكترونية نحو 260 مليار دولار في عام 2025، مع قاعدة مستخدمين تصل إلى 3.49 مليار لاعب نشط حول العالم، يهيمن مستخدمو الهواتف المحمولة على ما يقرب من نصف الإيرادات العالمية. وتشير التوقعات إلى استمرار هذا النمو بوتيرة قوية، حيث يُتوقع أن يصل حجم السوق إلى نحو 257 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو سنوي يقارب 6%، بينما تذهب بعض التقديرات الأكثر تفاؤلًا إلى أن السوق قد يبلغ 733 مليار دولار عالميًا بحلول 2030 بمعدل نمو سنوي مركب يقترب من 7%.
هذه الأرقام تعكس بوضوح حجم “الاقتصاد الرقمي” الذي أصبحت الألعاب الإلكترونية أحد ركائزه الأساسية، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن جانب بالغ الحساسية، يتمثل في كون هذا القطاع قناة واسعة لتحويل الأموال خارج الاقتصادات المحلية، خاصة عبر عمليات الشراء داخل التطبيقات والاشتراكات الرقمية، التي تستحوذ على النسبة الأكبر من الإيرادات، وتُحوَّل مباشرة إلى شركات ومنصات عالمية. هذا النمط من التدفقات يؤدي إلى نزيف العملة الصعبة، ويُضعف الحسابات الجارية، ويخلق تأثيرًا مزدوجًا على الاقتصاد المحلي؛ فهو من ناحية يعزز الطلب على الخدمات الرقمية، لكنه من ناحية أخرى يضغط على الدخل المتاح للأسر ويعيد توجيهه خارج الدورة الاقتصادية الوطنية.
وعلى مستوى الأسرة، تظهر التأثيرات بشكل مباشر وواضح. فوفق تحليلات استهلاكية متعددة، قد تنفق الأسرة المتوسطة مئات الدولارات سنويًا على الألعاب الإلكترونية والمشتريات الرقمية المرتبطة بها، وهو إنفاق كان من الممكن توجيهه إلى احتياجات أساسية، أو إلى التعليم، أو إلى الادخار والاستثمار في التنمية الذاتية. كما تشير بعض الدراسات إلى أن متوسط عمر اللاعب يصل إلى نحو 36 عامًا، مع مشاركة واسعة من البالغين، ما يعني أن التأثير لا يقتصر على الأطفال والمراهقين، بل يمتد إلى شرائح أوسع من المجتمع، ويؤثر على أنماط الاستهلاك والإنتاج لدى فئات في سن العمل.
ومن منظور الاقتصاد الكلي، فإن الإدمان الرقمي المرتبط بالألعاب الإلكترونية يترجم إلى تكلفة غير مباشرة على الدولة، تشمل خسارة ساعات العمل والإنتاج، وتراجع الكفاءة التعليمية، وزيادة الطلب على خدمات الصحة النفسية. هذه التكاليف لا تنعكس دائمًا بشكل مباشر في حسابات الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تمثل كلفة اجتماعية واقتصادية حقيقية، يتراكم أثرها على المدى الطويل، ويؤثر على جودة رأس المال البشري، وهو أحد أهم محركات النمو المستدام.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن تجاهل الجانب الإيجابي للصورة. فقد لعبت الألعاب الإلكترونية دورًا محوريًا في نمو الاقتصاد الرقمي عالميًا، ودَفعت العديد من الدول إلى الاستثمار في هذا القطاع باعتباره رافدًا للنمو وتنويع مصادر الدخل. وتُظهر تجارب دولية ناجحة كيف يمكن لصناعة الألعاب أن تتحول إلى قطاع تصديري قائم على المعرفة، يوفر فرص عمل عالية القيمة في مجالات البرمجة، والتصميم، وتطوير المحتوى الرقمي، والتسويق الإلكتروني. وفي هذا السياق، تسعى أسواق في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى زيادة حصتها من سوق تُقدَّر قيمته بمليارات الدولارات، إدراكًا لإمكاناته التنموية.
غير أن تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة لهذا القطاع يتطلب سياسات وطنية متكاملة، لا تكتفي بدور المستهلك، بل تنتقل إلى دور المنتج والمُصدِّر. وتشمل هذه السياسات تشجيع تطوير الألعاب محليًا بدلًا من الاكتفاء بالاستهلاك، ودعم التعليم وبناء المهارات الرقمية لخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة مرتفعة، إلى جانب تنظيم إنفاق المستهلكين وحماية الفئات الأضعف اقتصاديًا من الإفراط في الاستهلاك الرقمي غير المنتج.
وفي الحالة المصرية، يشهد سوق الألعاب الإلكترونية نموًا ملحوظًا، لكنه لا يزال في طور النشوء مقارنة بالأسواق العالمية. فوفق تقديرات Statista، من المتوقع أن تبلغ إيرادات سوق الألعاب في مصر نحو 9.21 مليون دولار في عام 2025، مع معدل نمو سنوي مركب قد يصل إلى 14.3% خلال الفترة من 2025 إلى 2030، ليقترب حجم السوق من 17.98 مليون دولار بحلول 2030، مدفوعًا بتزايد عدد المستخدمين الرقميين. وفي المقابل، تشير تقديرات أخرى إلى أن حجم السوق المصري قد تجاوز 843 مليون دولار في 2024، مع توقعات بنموه إلى أكثر من 1.7 مليار دولار بحلول 2033 بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 8.3%، مدعومًا بانتشار الهواتف الذكية وزيادة الوصول إلى الإنترنت.
ويعكس حجم قاعدة اللاعبين في مصر قوة التأثير المجتمعي لهذا القطاع، إذ تشير التقديرات إلى وجود نحو 40 مليون لاعب في السوق المصري، وهو رقم يضع مصر في صدارة أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث عدد اللاعبين. هذه القاعدة الواسعة تمثل، من ناحية، فرصة تنموية حقيقية لصناعة رقمية يمكنها الإسهام في الناتج المحلي وتوفير فرص عمل في مجالات متعددة، لكنها من ناحية أخرى تسلط الضوء على تحديات خطيرة تتعلق بإنفاق الأسر على محتوى رقمي غير منتج، وتحويل الأموال إلى الخارج عبر عمليات الشراء داخل الألعاب، في ظل غياب استراتيجية وطنيه.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التأكيد على أن التعامل مع صناعة الألعاب الإلكترونية لا يجب أن يندرج ضمن مقاربات قطاعية ضيقة، أو يُترك لمنطق السوق وحده، بل يتطلب رؤية اقتصادية شاملة تدمج هذا القطاع ضمن استراتيجية التحول الرقمي والاقتصاد المعرفي للدولة. فغياب الإطار المؤسسي الواضح لإدارة هذا النشاط يفتح الباب أمام تحوله إلى عبء مزمن على الاقتصاد، بدلًا من أن يكون أداة لتعظيم القيمة المضافة المحلية.
إن التجارب الدولية الناجحة تُظهر أن الدول التي استطاعت تحويل الألعاب الإلكترونية إلى صناعة وطنية رابحة لم تفعل ذلك عبر المنع أو التضييق، بل من خلال التوطين الذكي للصناعة، وربطها بمنظومات التعليم، والبحث والتطوير، وحاضنات الأعمال، وسياسات التصدير. ففي دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وبولندا، أصبحت الألعاب الإلكترونية أحد أعمدة الصادرات الرقمية، وساهمت في خلق آلاف الوظائف ذات المهارات العالية، وجذبت استثمارات أجنبية مباشرة، وقلّلت في الوقت نفسه من صافي التدفقات الخارجة للعملة الصعبة.
وفي الحالة المصرية، لا ينقص السوق المحلي الطلب أو القاعدة الاستهلاكية، بل ينقصه تحويل هذا الطلب إلى قوة إنتاجية. فوجود عشرات الملايين من اللاعبين، وانتشار واسع للهواتف الذكية، وبنية اتصالات في تطور مستمر، تمثل جميعها عناصر جاهزة للانطلاق، لكنها تظل معطلة في غياب إطار تشريعي وتنظيمي يُحفّز الإنتاج المحلي، ويشجع على نشوء شركات وطنية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
ومن هنا، تبرز أهمية إدماج صناعة الألعاب الإلكترونية ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، وربطها بخطط الدولة لتنمية الصناعات الثقافية والرقمية، بما يضمن ليس فقط تحقيق عوائد اقتصادية، بل أيضًا تقديم محتوى يعكس الهوية الثقافية المصرية والعربية، ويُسهم في بناء قوة ناعمة رقمية قادرة على الوصول إلى الأسواق العالمية. فالمحتوى الرقمي لم يعد مجرد منتج تجاري، بل أصبح أداة تأثير اقتصادي وثقافي في آن واحد.
كما أن البعد الاجتماعي يجب أن يكون حاضرًا في أي استراتيجية وطنية لهذا القطاع، من خلال وضع آليات واضحة لترشيد الاستهلاك الرقمي، وتعزيز الوعي المالي لدى الأسر، وتطوير أطر لحماية الفئات الأكثر عرضة للإفراط في الإنفاق أو الإدمان الرقمي. فالتنمية الاقتصادية المستدامة لا تنفصل عن حماية رأس المال البشري، وضمان الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا بما يخدم الإنتاج لا يعطّله.
وعلى صعيد السياسات المالية والنقدية، فإن إدخال الألعاب الإلكترونية ضمن حسابات الاقتصاد الرقمي الرسمي، ورصد تدفقاتها المالية بدقة، يمثل خطوة ضرورية لفهم تأثيرها الحقيقي على ميزان المدفوعات والحساب الجاري. كما أن تحفيز إعادة استثمار جزء من عوائد هذا القطاع داخل الاقتصاد المحلي، سواء عبر الضرائب الذكية أو الحوافز الاستثمارية المشروطة، يمكن أن يحد من الأثر السلبي للتحويلات الخارجية، ويعزز من مساهمة القطاع في النمو الاقتصادي.
وخلاصة القول، أن صناعة الألعاب الإلكترونية في مصر تقف اليوم عند مفترق طرق اقتصادي واضح. فإما أن تستمر كقطاع استهلاكي رقمي يُسهم في استنزاف الموارد الدولارية ويضغط على دخول الأسر، أو أن تتحول – عبر سياسات رشيدة ورؤية استراتيجية طويلة الأجل – إلى صناعة وطنية منتجة، قادرة على خلق فرص عمل، وتعزيز الصادرات الرقمية، ودعم ميزان المدفوعات، والمساهمة في بناء اقتصاد مصري أكثر تنوعًا وقدرة على الصمود في مواجهة التحديات العالمية.
وهنا، لا يصبح السؤال: هل الألعاب الإلكترونية مفيدة أم ضارة؟
بل يصبح السؤال الحقيقي: كيف ندير هذا القطاع اقتصاديًا؟
فالإدارة الذكية وحدها هي التي تحسم ما إذا كانت الألعاب الإلكترونية عبئًا على الاقتصاد، أم فرصة تاريخية لم تُستغل بعد.
كاتب المقال د. أحمد أبو علي
الباحث والمحلل الاقتصادي
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع

