مقالات مقال رأي بقلم: د. أحمد أبو علي

د. أحمد أبو علي يكتب : مصر لا توزّع أموالاً قبل رمضان.. بل تعيد هندسة جيوب المصريين

ما يحدث في مصر خلال فبراير 2026 ليس مجرد قرارات اقتصادية متفرقة، بل عملية إعادة ضبط شاملة لمسار الأموال داخل المجتمع. الدولة تضخ سيولة نقدية قبل رمضان، وتخفض الفائدة، وفي الوقت نفسه تفتح الباب أمام المواطنين لإقراضها مباشرة عبر البورصة. هذه ليست مصادفة زمنية، بل سياسة محسوبة بدقة تهدف إلى نقل الاقتصاد من حالة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “إدارة الأدوات”.

في ملف الدعم، تتجه الحكومة بوضوح نحو الدعم النقدي بدل الدعم العيني. الفكرة تبدو عادلة ومنطقية: أعطِ المواطن المال ودعه يقرر بنفسه كيف ينفقه بدل منظومة سلع مدعمة مليئة بالهدر والتسريب. لكن الحقيقة الأعمق أن الدعم النقدي ينجح فقط إذا كان أسرع من التضخم. فإذا ارتفعت الأسعار بوتيرة أعلى من زيادة الدعم، تتحول الأموال إلى مجرد أرقام لا تحمي القوة الشرائية ولا تحقق العدالة الاجتماعية. الدولة هنا تراهن على قدرتها على كبح التضخم بالتوازي مع تحرير طريقة توزيع الدعم.

أما القرار الأخطر والأكثر ذكاءً في الوقت نفسه فهو إتاحة أدوات الدين الحكومية — أذون وسندات الخزانة — للأفراد عبر البورصة. لأول مرة يصبح المواطن العادي مقرضًا مباشرًا للدولة بعائد مرتفع ومخاطرة شبه معدومة. هذه الخطوة تسحب السيولة من السوق الاستهلاكي وتعيد توجيهها نحو تمويل عجز الموازنة، لكنها أيضًا تعمّق سوق المال وتخلق قناة استثمارية جديدة كانت حكرًا على البنوك والمؤسسات. ببساطة، الدولة تقول للمواطن: بدل أن تنفق أموالك في السوق وتزيد التضخم، أقرضني إياها وخذ عائدًا مضمونًا.

تخفيض الفائدة بنسبة 1% يبدو للوهلة الأولى إشارة لبدء مرحلة التيسير النقدي، لكنه في الواقع خطوة محسوبة للغاية. فخفض الفائدة يقلل تكلفة الاقتراض على الشركات ويشجع الاستثمار والإنتاج، لكنه في الوقت نفسه يجعل الودائع البنكية أقل جاذبية، ما يدفع المدخرين للبحث عن بدائل أعلى عائدًا… مثل أذون الخزانة المتاحة حديثًا في البورصة. هنا تكتمل الحلقة: البنك المركزي يخفض الفائدة، والحكومة توفر أداة بديلة تمتص السيولة.

في الخلفية، تواصل الدولة برنامج التخارج وإدارة الأصول عبر طرح حصص من شركات وأصول استراتيجية مثل المطارات وشركات الإسكان. الهدف ليس البيع من أجل البيع، بل تحويل الأصول الجامدة إلى سيولة واستثمارات جديدة، وجذب شركاء قادرين على الإدارة والتشغيل بكفاءة أعلى. بالتوازي، تتمدد الشركات المصرية إقليميًا — كما تفعل مجموعة حسن علام في السعودية — بينما تتوسع الشركات الخليجية داخل السوق المصري. هذا ليس مجرد استثمار متبادل، بل إعادة تموضع لمصر كمركز اقتصادي إقليمي مفتوح.

الخلاصة أن الدولة لم تعد تريد مواطنًا مستهلكًا فقط، بل شريكًا ممولًا ومستثمرًا. زيادة السيولة قبل رمضان ستدفع عجلة الاستهلاك مؤقتًا، لكن الأدوات الجديدة — من أذون الخزانة إلى أسواق المشتقات — تهدف إلى سحب جزء كبير من هذه السيولة نحو الاستثمار المنظم. المعركة الحقيقية ليست بين الحكومة والمواطن، بل بين الاستهلاك والاستثمار داخل جيب المواطن نفسه.

مصر اليوم لا تغيّر سياساتها فقط… بل تغيّر سلوك المال في المجتمع. ومن يفهم هذه اللحظة مبكرًا سيدير أمواله بذكاء، أما من يتعامل معها كـ “عيدية موسمية” فسيكتشف سريعًا أن التضخم كان الأسرع وصولًا إلى جيبه.