مقالات مقال رأي بقلم: د. أحمد أبو علي

د. أحمد أبو علي يكتب: شيخوخة سوق العقارات.. هل أصبح حلم المنزل حكرًا على كبار السن؟

لم يعد الحديث عن أزمة الإسكان مقتصرًا على ارتفاع الأسعار أو تشدد شروط التمويل، بل تكشف المؤشرات الحديثة عن تحوّل أعمق وأكثر خطورة يمس البنية الداخلية للسوق العقاري ذاته، تحوّل يمكن توصيفه بدقة باعتباره «شيخوخة سوق العقارات»؛ حيث يتقدم متوسط عمر المشترين بوتيرة متسارعة، بينما يتراجع حضور الأجيال الشابة إلى الهامش، في مشهد يعكس خللًا ديموغرافيًا واقتصاديًا مركبًا يعيد صياغة مفهوم التملك من جذوره، ويطرح تساؤلات جوهرية حول عدالة النموذج السكني السائد وقدرته على الاستدامة.

فهناك قفزة تاريخية في متوسط أعمار المشترين، الذي ارتفع إلى نحو 59 عامًا بنهاية 2025، مقارنة بنحو 31 عامًا فقط في أوائل الثمانينيات. هذا الفارق الزمني لا يمكن تفسيره بعوامل ظرفية أو دورات اقتصادية عابرة، بل يعكس تحوّلًا هيكليًا عميقًا نقل التملك العقاري من كونه خطوة مبكرة في مسار الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إلى محطة متأخرة لا يصل إليها الأفراد إلا بعد عقود طويلة من العمل وتراكم الدخل وتحمل المخاطر.

الأكثر دلالة وخطورة يتجلى عند النظر إلى فئة المشترين لأول مرة، التي تمثل تاريخيًا القلب النابض لأي سوق عقاري صحي. فقد ارتفع متوسط أعمار هذه الفئة من أقل من 30 عامًا إلى ما يقارب 40 عامًا، في إشارة صريحة إلى أن الدخول الأول إلى السوق لم يعد حدثًا طبيعيًا في بداية الحياة العملية، بل أصبح مهمة شاقة تتطلب سنوات طويلة من الادخار، وغالبًا ما تأتي بعد استنزاف جزء كبير من الدخل في الإيجارات وتكاليف المعيشة المتصاعدة، بما يحرم هذه الفئة من بناء الثروة في توقيت مبكر، ويؤجل الاستقرار السكني والاجتماعي معًا.

ولم تتوقف الظاهرة عند حدود الداخلين الجدد، بل امتدت إلى المشترين المتكررين، الذين يفترض أن يشكلوا حلقة الحركة الطبيعية داخل السوق. فقد ارتفع متوسط أعمارهم إلى نحو 62 عامًا، وهو ما يعكس حالة متزايدة من الجمود، حيث يحتفظ المالكون الحاليون بوحداتهم لفترات أطول، وتتراجع معدلات الانتقال والترقية، ليس بدافع الرضا، بل نتيجة الكلفة الباهظة للانتقال، وارتفاع الفجوة السعرية بين الوحدات القائمة والجديدة، ما يؤدي إلى تجميد المعروض المتاح، وتقليص حركة السوق، وإعادة إنتاج الضغوط السعرية في حلقة مغلقة.

هذا المشهد يكشف عن أزمة مزدوجة تضرب السوق من اتجاهين متعاكسين. الاتجاه الأول يتمثل في ظاهرة «الإغلاق دون الدخول» (Lock-out)، حيث يجد الجيل الشاب نفسه خارج السوق بالكامل، عاجزًا عن وضع قدمه الأولى في عالم التملك، نتيجة فجوة متسعة بين الأسعار والدخول، وارتفاع تكاليف التمويل، وتآكل القوة الشرائية، بما يحوّل حلم المنزل من هدف واقعي إلى طموح مؤجل أو مستبعد. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في «الحبس في الداخل» (Lock-in)، حيث يصبح المالكون الحاليون غير قادرين على الانتقال إلى وحدات أفضل أو أكبر، ليس لغياب الرغبة، بل بسبب عبء التكلفة، ما يؤدي إلى شلل حركة السوق وتآكل كفاءتها.

وفي ظل هذا الواقع المختل، لا يبدو غريبًا أن تتجه رؤوس الأموال، سواء الاستثمارية أو الفردية، إلى ملاذات بديلة أكثر سيولة وأقل تعقيدًا. ويأتي الذهب في مقدمة هذه البدائل، بعدما تجاوزت قيمته السوقية 35.1 تريليون دولار، متفوقًا على الناتج الإجمالي للاقتصاد الأمريكي، في دلالة واضحة على تحوّل سلوك الادخار من أصول مرتبطة بالاستقرار طويل الأجل، كالعقار، إلى أصول دفاعية تعكس مناخًا عالميًا يسوده عدم اليقين، واهتزاز الثقة في قدرة الأصول التقليدية على أداء دورها التاريخي كوعاء آمن للثروة.

الأخطر من كل ما سبق أن مفهوم «المنزل» نفسه يتعرض لإعادة تعريف تدريجية. فلم يعد رمزًا لبداية الحياة أو الاستقلال المبكر، بل بات أقرب إلى امتياز متأخر أو مكافأة نهاية المسار الوظيفي. وهو تحوّل يحمل في طياته آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة، تمتد من تأجيل تكوين الأسر، وتراجع معدلات الإنجاب، إلى إعادة صياغة مفهوم النجاح والثروة لدى الأجيال القادمة، بما يهدد التوازن الاجتماعي والاستقرار الحضري على المدى الطويل.

شيخوخة سوق العقارات، بهذا المعنى، ليست مجرد ظاهرة إحصائية عابرة، بل إنذار مبكر لنموذج اقتصادي فقد قدرته على دمج الشباب في دورة التملك. وإذا استمرت هذه الاتجاهات دون تدخلات هيكلية حقيقية تعيد التوازن بين الدخول والأسعار، وتُعيد تصميم أدوات التمويل، وتربط السياسات السكنية بالواقع الديموغرافي لا بالمضاربات، فإننا لا نكون أمام أزمة إسكان مؤقتة، بل أمام إعادة تشكيل جذرية لعلاقة الإنسان بالمكان، ولحلم طالما اعتُبر أحد أبسط حقوق الاستقرار في الحياة الحديثة.

كاتب المقال الدكتور أحمد أبو علي – الباحث والمحلل الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع