د.أحمد أبو علي يكتب: الذهب لا يُشترى طمعًا بل خوفًا.. حين يفقد المال الورقي معناه يصبح الذهب اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع
في لحظات الاستقرار الاقتصادي، يُنظر إلى الذهب باعتباره أصلًا جامدًا، لا يدر عائدًا ولا يخلق قيمة مضافة، ويُتهم غالبًا بأنه ملاذ الكسالى أو خيار المحافظين أكثر من اللازم. لكن التاريخ الاقتصادي لم يعرف الذهب يومًا كأداة للربح السريع، بل عرفه دائمًا كوثيقة تأمين أخيرة ضد انهيار المعنى نفسه، معنى النقود، ومعنى الثقة، ومعنى المستقبل. فالذهب لا يُشترى حين تسود الطمأنينة، بل يُقتنى حين يبدأ القلق في التسلل إلى بنية النظام المالي، وحين تتآكل الثقة في كل ما هو ورقي، قابل للطباعة، أو خاضع لقرار سياسي مفاجئ.
الطلب على الذهب لا ينفجر لأن الناس تطمع، بل لأنهم تخاف. تخاف من تضخم يلتهم الدخول دون ضجيج، ومن عملات تفقد قيمتها تدريجيًا حتى يصبح الاحتفاظ بها مخاطرة لا استثمارًا، ومن نظم نقدية باتت تُدار بمنطق إدارة الأزمات لا بمنطق الاستدامة. وفي كل مرة يتعرض فيها العالم لهزة اقتصادية كبرى، أو توتر جيوسياسي ممتد، أو دورة تضخمية غير مسبوقة، يعود الذهب إلى الواجهة ليس كسلعة، بل كلغة عالمية صامتة يتفق الجميع على مفرداتها دون الحاجة إلى ترجمة.
الأزمات الأخيرة كشفت بوضوح أن المال الورقي لم يعد مرآة حقيقية للقيمة، بل أداة لإدارة الوقت وتأجيل الانفجار. التوسع غير المنضبط في السياسات النقدية، وطباعة النقود بلا غطاء إنتاجي حقيقي، خلقا وفرة زائفة في السيولة، لكنها وفرة بلا وزن. ومع كل موجة تضخم جديدة، يتأكد للمواطن والمستثمر والدولة على حد سواء أن ما يُفقد الثقة ليس غياب النقود، بل غياب الانضباط في إنتاجها واستخدامها. هنا تحديدًا يبدأ الذهب في أداء دوره التاريخي، ليس كأصل بديل، بل كمعيار أخلاقي واقتصادي في آن واحد، لأنه الأصل الوحيد الذي لا يمكن التلاعب به سياسيًا ولا استنساخه بقرار.
ومن الخطأ اختزال صعود الذهب في كونه مجرد رد فعل نفسي أو سلوك قطيع. فالحقيقة أن الذهب يتحرك وفق منطق عقلاني شديد الصرامة؛ منطق الخوف الواعي لا الذعر. حين ترتفع أسعار الفائدة ولا تهدأ المخاوف، وحين تتراجع العملات رغم التشديد النقدي، وحين تفقد أدوات التحوط التقليدية فعاليتها، يصبح الذهب هو الخيار الذي لا يحتاج إلى تبرير. هو الأصل الذي لا يعد بعائد، لكنه لا يخون. لا يمنح أرباحًا دورية، لكنه يحفظ الجوهر. وفي عالم باتت فيه المخاطر مركبة ومتشابكة، تصبح حماية رأس المال إنجازًا في حد ذاته.
اللافت أن الذهب لا يعبّر فقط عن أزمة اقتصادية، بل عن أزمة ثقة شاملة. ثقة في السياسات، في المؤسسات، في المستقبل القريب. لذلك نراه ملاذًا للأفراد كما هو ملاذ للبنوك المركزية، وملجأ للدول الناشئة كما هو أداة تحوط للقوى الكبرى. فالذهب لا يسأل عن هوية حامله ولا عن نظامه السياسي، بل يعترف فقط بقانون واحد: الندرة الحقيقية. ولهذا السبب تحديدًا، كلما تراجعت قيمة العملة الورقية كوعاء للثروة، ارتفعت قيمة الذهب كذاكرة جماعية للقيمة.
وفي السياق المصري، كما في كثير من الاقتصادات الناشئة، يصبح الذهب أكثر من مجرد أداة ادخار، بل وسيلة دفاع اجتماعي في مواجهة تآكل القوة الشرائية وعدم اليقين. المواطن لا يشتري الذهب لأنه يتوقع الثراء، بل لأنه يحاول تجميد قيمة جهده ووقته في أصل لا يتبخر. هذه ليست مضاربة، بل غريزة اقتصادية مشروعة في بيئة ضبابية، حيث تتحول النقود من مخزن للقيمة إلى وسيط مؤقت لا يُوثق به طويلًا.
الخلاصة أن الذهب لا ينافس العملات، بل يفضح هشاشتها. لا يسعى لإلغاء النظام المالي، لكنه يقف كشاهد دائم على عيوبه. وحين يفقد المال الورقي معناه، لا يحتاج الناس إلى خطاب اقتصادي معقد ليقرروا، بل يعودون تلقائيًا إلى اللغة الوحيدة التي فهمتها كل الحضارات عبر التاريخ: الذهب. لغة الصمت، والثقة، والبقاء.
وفي عالم يتغير بسرعة تفوق قدرة السياسات على اللحاق به، يظل الذهب ليس استثمار الطامعين، بل ملاذ الخائفين… والخائفون غالبًا ما يكونون الأكثر وعيًا بما هو قادم.
كاتب المقال الدكتور أحمد أبو علي – الباحث والمحلل الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع

