مقالات مقال رأي بقلم: د. رمزي الجرم

تأثير التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر على الاقتصاد المصري

باتت التوترات الجيوسياسية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ، على إثر قيام جماعة الحوثي باحتجاز بعض سفن الحاويات المتجهة إلى دولة الاحتلال ، وتهديد الملاحة البحرية يشكل عام فيما بين آسيا وأوروبا ، من أخطر التحديات التي تواجه الملاحة البحرية في هذا المجرى الملاحي الهام جدا ،بل انه سيكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري، على خلفية تأثير ذلك على سلاسل التوريد العالمية ،وما يترتب عليه من إرتفاع أسعار النفط والسلع الأخرى التي تَمُر من هذا الممر الحيوي ، نتيجة تحويل مسار السفن لمسافات أطول حول القارة الافريقية من خلال طريق رأس الرجاء الصالح، والذي يؤدي إلى رفع تكاليف الوقود والشحن والتأمين ،فضلا عن حالة الازدحام التي سيشهدها الطريق الجديد للملاحة البحرية ،والذي يلقي بظلاله على زيادة فترات تأخير سفن الحاويات، وما لذلك من تكاليف اضافية ، تفرض نفسها بشكل مباشر على إرتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي والسلع الأخرى، مما يُنذر بتسارع وتيرة معدلات التضخم بشكل كبير.

ولا شك أن تلك التداعيات على مستوى الاقتصاد المصري، سوف تكون ذات كُلفة مرتفعة جراء هذا التطور الخطير ، والذي يتمثل في تقلص الحصيلة الدولارية من رسوم مرور سفن الحاويات في قناة السويس، حيث تم تحويل اتجاه 180 سفينة إلى الطريق البديل من 19 نوفمبر الماضي ،وبما يُقلل بشكل ملموس من احد اهم الموارد الدولارية في الاقتصاد المصري ،كما سيتاثر الاقتصاد المحلي أيضا بشكل غير مباشر من خلال الانعكاسات السلبية التي ستنتج عن زيادة اسعار النقط والسلع الغذائية ، خصوصا اذا ما علمنا ان مصر تستورد اكثر من 60٪ من احتياجاتها من الخارج ، وبما يشير إلى أن اي تعطل في سلاسل الإمداد العالمية، سوف يكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري، وهذا يفسر تداعيات الأزمة الحالية ،بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، حيث ارتفعت اسعار النفط والحبوب وبشكل خاص القمح، والذي خلق فجوة تمويلية في موارد النقد الأجنبي بأكثر من 10.5 مليار دولار في بداية الأزمة.

ومن الجدير بالذكر، ان هذا الأمر سوف يضغط بشكل كبير على فقدان موارد دولارية ضخمة ، كانت تأتي من الممر الملاحي لقناة السويس ،وفي نفس الوقت زيادة كُلفة استيراد السلع الغذائية الاساسية والنفط، مما سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات في السوق المحلي، والذي سيؤدي الى إرتفاع مُعدلات التضخم، والتي سجلت معدل 38.5٪ بنهاية اكتوبر الماضي، وهذه النوعية من التضخم ، والتي تمثل صدمة في جانب العرض ،لا تستجيب معها السياسات والإجراءات النقدية، التي تم تبناها المركزي منذ بداية الأزمة الروسية الأوكرانية، من خلال محاولة تحفيض حجم الطلب الفعال من خلال رفع اسعار الفائدة على الإيداع والإقراض، إذ ان مواجهة التضخم الناتج عن صدمة في جانب العرض ، والذي ينتج عن إرتفاع تكلفة إنتاج السلع المنتجة محليا وزيادة تكلفة السلع المستوردة، يتطلب إجراءات وسياسات أخرى تلائم ذلك ،أهمها : زيادة الانتاج من السلع المنتجة محلياً من أجل تخفيض التكاليف الثابتة والاستفادة بوفورات الانتاج الكبير ، وهذا سيكون سيكون من أكثر التحديات في تلك الفترة ، كما ان تخفيض معدل الضريبة على القيمة المضافة او إلغاء بعضها، سيؤدي إلى تقلص الحصيلة الضريبية بشكل ملحوظ.

إلا أنه اذا لم يتم مواجهة تلك التحديات الحادثة على المشهد الاقليمي بشكل سريع وقبل اشتداد شدة الأزمة ، من جانب تحالف دولي للحفاظ على حرية التجارة الدولية؛ فهذا من شأنه ان يجلب العديد من الآثار السلبية ، أهمها : زيادة حدة التضخم والذي قد يصل لمستويات غير مسبوقة، مما سيخلق المزيد من المعاناة على شريحة واسعة من المواطنين، فضلا عن انخفاض ملحوظ لقيمة العملة المحلية امام الدولار الأمريكي، وبما قد يصل السعر في الجهاز الرسمي إلى نحو 45 جم للدولار الواحد، وهذا سوف يضغط على زيادة اسعار السلع والخدمات بشكل آخر ، بالاضافة الى ان انخفاض الموارد الدولارية، سوف يضغط بشكل كبير على قدرة مصر على سداد فاتورة الديون الخارجية خلال عام 2024، والتي تبلغ نحو 29.229 مليار دولار أمريكي.

وربما تزداد حدة الأزمة ، اذا ما اتجهت روسيا نحو تخفيض حجم الانتاج اليومي من النفط ، فمن المتوقع ان تتعدى اسعار النفط حاجز 120 دولار للبرميل، وربما قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو حالة من حالات الركود التضخمي ، حيث نجد زيادة في حدة البطالة، وفي نفس الوقت إرتفاع معدلات التضخم وانخفاض ملحوظ في معدلات النمو الاقتصادي.

بالاضافة الى ما سبق، فإن إستمرار هذا الأمر ،قد يؤدي إلى ابتكار طرق أخرى بديلة عن قناة السويس ،اي أن الأزمة، ستتحول من أزمة مؤقتة إلى ازمة دائمة ومستمرة ، إذ ان وجود ازمة مؤقتة، من الممكن أن يتم مواجهة جزء منها عن طريق جزء من حصيلة برنامج الطروحات الحكومية، التي من المتوقع ان يتم الإعلان عن صفقات كبيرة منها خلال أيام، فضلا عن بعض المبادرات التي من شأنها جلب موارد نقد اجنبي من مصادر جديدة ، لكن الخوف ان تتحول الأزمة إلى واقع يتم فرضه على مصر، في ظل سعي قوى دولية بالمشاركة مع دولة الاحتلال ،نحو انشاء طريق بديل بري يبدأ من الهند مرورا بالسعودية والإمارات إلى أوروبا مرورا بقناة بن جوريون.