مقالات مقال رأي بقلم: د. أحمد أبو علي

د. أحمد أبو علي يكتب : بين “حقنة البنج” وهروب الكاش… هل يواجه الاقتصاد المصري موجة تضخمية جديدة أم يعيد التاريخ كابوس 1956؟

في لحظات التحول الكبرى في الاقتصاد، لا تبدو الأرقام دائمًا كما تبدو في العناوين. فقد تحمل في ظاهرها إشارات طمأنة، بينما تخفي في باطنها توترات كامنة تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي يمر بها الاقتصاد. وما يحدث اليوم في مصر يمثل نموذجًا واضحًا لهذه المفارقة؛ فبينما تسجل المؤشرات الرسمية تحسنًا نسبيًا في بعض المؤشرات المالية، تتصاعد في الوقت نفسه ضغوط خارجية وداخلية تضع الاقتصاد أمام اختبار معقد.

ففي يوم واحد فقط، بدت الحكومة المصرية وكأنها تدير مباراة شطرنج اقتصادية على عدة جبهات متوازية. فمن ناحية، استطاعت تقليص جزء من عبء الدين العام عبر توظيف عوائد صفقة “علم الروم”، التي أتاحت ضخ نحو 3.5 مليار دولار لتسوية التزامات مالية مستحقة، وهو ما انعكس في انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 78%. لكن في المقابل، شهدت السوق المالية حركة خروج ملحوظة للأموال الأجنبية من أدوات الدين الحكومية، حيث سحب المستثمرون نحو 1.18 مليار دولار في جلسة واحدة، في إشارة واضحة إلى حساسية التدفقات المالية الدولية تجاه التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.

هذه المفارقة تعكس ما يمكن وصفه اقتصاديًا بحالة من الاستنزاف المالي المتبادل؛ إذ تحاول الدولة تحسين مؤشرات الاستقرار المالي عبر خفض الدين وتعزيز الاحتياطي، بينما تضغط في المقابل عوامل خارجية مثل ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، وتصاعد التوترات في منطقة الخليج ومضيق هرمز، بما يؤدي إلى إعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل.

غير أن التأثير الأكثر وضوحًا لهذه التطورات لا يظهر فقط في أسواق المال، بل في الاقتصاد الحقيقي الذي يمس حياة المواطنين بشكل مباشر. فقرار رفع أسعار السولار، على سبيل المثال، لا يمثل مجرد تعديل في تكلفة الوقود، بل يشكل نقطة انطلاق لسلسلة من التأثيرات التضخمية المتتابعة في مختلف القطاعات الاقتصادية. إذ ترتبط تكلفة النقل البري ارتباطًا وثيقًا بأسعار الوقود، ما يعني ارتفاعًا متوقعًا في تكلفة الشحن والنقل قد يتراوح بين 15% و20%، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار معظم السلع المتداولة في السوق.

ويمتد هذا التأثير إلى قطاع الغذاء أيضًا، حيث شهدت أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي، وعلى رأسها الأعلاف، ارتفاعات ملحوظة نتيجة زيادة تكلفة الاستيراد والشحن، وهو ما ينعكس تدريجيًا على أسعار اللحوم والدواجن. وحتى القطاعات الخدمية لم تعد بعيدة عن هذه الضغوط، إذ بدأت بعض الشركات في دراسة مراجعة أسعار خدماتها، مستندة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة.

في هذا السياق، يتوقع عدد من المحللين الاقتصاديين أن يشهد معدل التضخم موجة ارتفاع إضافية قد تتراوح بين ثلاث وخمس نقاط مئوية خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد يدفع البنك المركزي إلى إعادة النظر في وتيرة خفض أسعار الفائدة التي كان يخطط لها، في محاولة للحفاظ على استقرار العملة المحلية وكبح الضغوط التضخمية.

ومع تصاعد هذه الضغوط، تتحرك الحكومة في اتجاه موازٍ لتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، حيث تجري دراسة رفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى نحو ثمانية آلاف جنيه، إلى جانب زيادات مرتقبة في أجور العاملين بالقطاع الحكومي، خصوصًا في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفع الأجور، بل في قدرة هذه الزيادات على مواكبة تسارع التضخم والحفاظ على القوة الشرائية للأسر.

لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى السياق الإقليمي الأوسع. فالتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، خصوصًا في مناطق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، أعادت إلى الأذهان تحذيرات تاريخية من احتمال تكرار أزمات مشابهة لأزمة السويس عام 1956، التي أدت آنذاك إلى اضطرابات كبيرة في حركة التجارة والطاقة العالمية. وقد بدأت بالفعل بعض المؤشرات على اضطراب إمدادات الطاقة في الظهور، مع إعلان شركات طاقة عن حالات قوة قاهرة وتعطل في بعض عمليات الإنتاج والنقل.

في ضوء هذه المعطيات، تتحرك مصر استباقيًا لتأمين احتياجاتها من الطاقة، عبر التعاقد على شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب تكثيف الجهود لجذب استثمارات جديدة في قطاع الاستكشاف والإنتاج المحلي للغاز. فتعزيز الإنتاج المحلي لم يعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية المتقلبة.

في النهاية، يبدو أن الاقتصاد المصري يدخل مرحلة يمكن وصفها بمرحلة اختبار التوازن؛ حيث تتقاطع فيها جهود الإصلاح المالي مع ضغوط الجغرافيا السياسية وتقلبات الاقتصاد العالمي. وبينما نجحت بعض الخطوات في تخفيف عبء المديونية وتعزيز الاستقرار المالي النسبي، فإن استمرار التوترات الإقليمية قد يفرض تحديات إضافية تتطلب تسريع وتيرة الإصلاحات الإنتاجية وتعزيز الاعتماد على القدرات المحلية.

ففي عالم يزداد اضطرابًا، لم يعد الاستقرار الاقتصادي مرهونًا فقط بإدارة المالية العامة، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على بناء اقتصاد إنتاجي قوي يقلل من الاعتماد على الخارج ويعزز مناعته أمام الصدمات العالمية