مقالات مقال رأي بقلم: د. أحمد أبو علي

د. أحمد أبو علي يكتب : هل التضخم خطأ أم أداة؟

هل ما نراه اليوم من موجات تضخم متكررة هو مجرد اختلال عابر في التوازنات الاقتصادية؟ أم أننا أمام تحوّل أعمق في فلسفة إدارة المال العام؟ وهل يمكن أن يكون التضخم في عام 2026 ليس خطأً في إدارة السياسات، بل “أداة ضمنية” لإعادة ضبط ميزانيات دول لم تعد قادرة على سداد ديونها بالقيم الحقيقية؟

السؤال يبدو صادمًا للوهلة الأولى، لأن الخطاب الاقتصادي التقليدي طالما قدّم التضخم بوصفه عدو الاستقرار الأول. لكن قراءة المشهد العالمي تكشف مفارقة لافتة؛ فالدين السيادي العالمي تجاوز مستويات تاريخية غير مسبوقة، والاقتصادات الكبرى لم تعد تتحدث فقط عن خفض العجز، بل عن “إدارته” و”إعادة جدولته” و”تحمّله على المدى الطويل”. هنا تحديدًا يبرز تساؤل جوهري: إذا كانت قيمة الدين ثابتة اسميًا، بينما تتآكل القوة الشرائية للنقود بفعل التضخم، فمن يتحمل العبء الحقيقي؟

عندما ترتفع الأسعار، لا تتغير الأرقام المسجلة في دفاتر الديون، لكنها تتغير في قيمتها الفعلية. الدين الذي تم اقتراضه بقيمة شرائية مرتفعة، يُسدد لاحقًا بقيمة شرائية أقل. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل معادلة حسابية بحتة. التضخم، في جوهره، يعيد توزيع الثروة بين الدائن والمدين، وبين حاملي النقد وأصحاب الأصول، وبين الأجيال الحالية والمستقبلية. فهل يمكن أن يكون هذا “التآكل المنضبط” جزءًا من أدوات السياسة غير المعلنة؟

إن الحكومات التي تواجه مستويات دين تقترب من حدود غير مستدامة تجد نفسها أمام خيارات محدودة: إما تقشف قاسٍ يضغط على النمو والاستقرار الاجتماعي، أو إعادة هيكلة مباشرة قد تهز الثقة في الأسواق، أو خيار ثالث أقل صدامًا سياسيًا يتمثل في السماح بمعدلات تضخم أعلى من المستهدف لفترة زمنية كافية لإذابة جزء من القيمة الحقيقية للدين. في هذه الحالة، لا يبدو التضخم خللًا مفاجئًا، بل يصبح “آلية ضبط ناعمة” لميزان مختل.

غير أن هذا الطرح يفتح بابًا أخلاقيًا واقتصاديًا معقدًا؛ فإذا كان التضخم يُستخدم كأداة لإدارة الدين، فمن يدفع الثمن؟ المدخرون؟ أصحاب الدخول الثابتة؟ الطبقة الوسطى التي لا تملك أصولًا تحميها من تآكل القيمة؟ هنا يتحول التضخم من مجرد مؤشر رقمي إلى أداة إعادة توزيع اجتماعي، قد تعيد تشكيل الطبقات الاقتصادية بصمت.

لكن هل يعني ذلك أن التضخم مُخطط له بالكامل؟ ليس بالضرورة. فالاقتصاد المعاصر أكثر تعقيدًا من أن يُدار بزر واحد. إلا أن التسامح المتكرر مع معدلات تضخم مرتفعة، رغم أدوات السياسة النقدية المتاحة، يطرح تساؤلًا مشروعًا: هل أصبح الهدف الحقيقي هو كبح التضخم فورًا، أم احتواؤه ضمن نطاق يسمح بامتصاص جزء من أعباء الدين؟

في عام 2026، لم تعد المعادلة الاقتصادية تقتصر على محاربة التضخم كما كان الحال في عقود سابقة، بل باتت تدور حول إدارة التوازن بين الاستقرار النقدي واستدامة الدين العام. وهنا يظهر بوضوح أن البنوك المركزية لم تعد تتحرك فقط بدافع استقرار الأسعار، بل ضمن شبكة معقدة من الاعتبارات المالية والسيادية.

التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن فترات ما بعد الحروب والأزمات الكبرى غالبًا ما شهدت تضخمًا مرتفعًا ساهم في تخفيف أعباء ديون ضخمة. الفارق اليوم أن هذه العملية تجري في ظل اقتصاد معولم، وأسواق مالية فائقة الحساسية، ورأي عام أكثر وعيًا. فهل يمكن الاستمرار في استخدام التضخم كأداة غير معلنة دون أن تتآكل الثقة في العملة ذاتها؟

السؤال الأهم ربما ليس: هل التضخم خطأ أم أداة؟
بل: إلى أي مدى يمكن للدول أن تعتمد عليه قبل أن يتحول من “ميزة تقنية” إلى مخاطرة هيكلية تهدد الاستقرار طويل الأجل؟

إن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد دورة تضخمية عابرة، بل إعادة تعريف لدور التضخم في النظام المالي العالمي. وإذا كان الدين هو لغة العصر، فإن التضخم قد يصبح قواعده الخفية. لكن كل قاعدة غير معلنة تحمل في طياتها اختبارًا للثقة… والثقة، في الاقتصاد، هي الأصل الذي لا يمكن طباعته.

ويبقى التساؤل مفتوحًا:
هل نحن أمام خلل يجب إصلاحه، أم أمام أداة يُعاد توظيفها بذكاء لإدارة عالم مثقل بالديون؟